الراعي و الملك
يحكى أن راعيا وجد كنزا، فلما عاد به إلى البيت ألحت عليه أمه أن يسلمه للملك... انصاع الراعي إلى رأي والدته وحمل الكنز إلى القصر على أمل أن ينال مكافأة. تسلم الملك الكنز من الحاجب، بعد أن سمع منه القصة، وسأله عن الراعي أين هو؟
ـ أجاب: هو عند الباب .. يأبى الذهاب سيدي
ـ فليدخل .. أريد أن أراه
دخل الراعي خلف الحاجب.. وبينما سجد الحاجب بين يدي الملك داعيا له بالبركة و طول العمر ، بقي الراعي واقفا لا يدري ما يفعله بهيكله و مظهره البئيسين.
نظر الملك إلى الراعي و سأله : و أنت مالك لا تسجد؟
ـ لست على وضوء ، سيدي
انفجر الملك ضاحكا ملء شدقيه حتى بان ضرس عقله المنخور ، فضحك الراعي أيضا و لكن الحاجب نهره فانتهر و كف عن مجاراته للملك.. كان الملك كلما كف يعود ليدخل في نوبة أخرى من الضحك، إلى أن انتبه إلى أنه بلل ثوبه و أن البول تسرب ساخنا إلى العرش تحته، فاسودت وجنتاه و أصبحتا مثل رمانتين فات آوان قطافهما و أدركهما المطر. توقف عن الضحك حينها و أظهر الجد بعد أن سحب طرفي السلهام على فخذيه
ـ أين بقية الكنز شعبي .. أقصد أيها الراعي العزيز؟
ـ هذا كل ما وجدته سيدي
ـ هل تعرف أن عقوبة سرقة الملك الموت شنقا؟
ـ أقسم بالله أنا لا أكذب .. هذا كل ما وجدته
ـ خذوه عني
بات الراعي ليلته في الحبس يفكر في مصيره المشؤوم، و حظه الذي يشبه مزاج الملك و الذي ما أن ابتسم له بعد تجهم طويل حتى كشر في وجهه مثل ذئب ... تذكر كلام الفقيه حول طاعة الوالدين فاعترت شفتيه ابتسامة مرة كورق الدفلى .. حظي والدة حمقاء. قال في خاطره و تبسم مرة اخرى قبل أن يردف بصوت مسموع : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. لا شيء منطقي في كل ما جرى ابتداء من المعزاة التي علق حافرها تحت الصخرة التي كان يتناول عليها غذاءه كل يوم مما اضطره لزحزحتها من مكانها ليكتشف تحتها جرة ، لعنة الله عليها من جرة ... غير معقول.. يمكن أن الله يختبرني، و أن الملك يحب أن يضحك قبل أن يكافأني أو ربما يعيد لي الجرة كاملة ..وما أدراني أنا بمزاح الملوك و تفكيرهم... ارتاح باله قليلا فاستسلم للنوم وباتت الفكرة تدغدغ أحلامه.
في الغد أخرج إلى ساحة القصر. بدا له المنظر مألوفا .. الناس الذين احتشدوا عن يمينه في جلاليبهم البيضاء أو ثيابهم المهلهة كلهم ينظرون في اتجاه واحد .. كل العيون مصوبة نحوه. في أقصى اليسار استطاع أن يميز الملك من هيأته، و هو يجلس محاطا بحاشيته، أما فوق الملك فكانت نساء القصر وبناته قد اتخذن مجلسهن أو وقفن في الشرفات يتفرجن.
المشهد الذي رآه في الحلم ما يزال طريا وكأنه يعاد بحذافيره . الاستثناء كان شخصه هو، فبينما رأى نفسه في المنام عريسا تزف له الأميرة و أمه تزغرد مزهوة به، ها هو يسير في المشوار ذاته مصحوبا بالصيحات الشامتة. كان السجان يقوده طول المسافة ماسكا بذراعه، و لكنه لم يأبه ، فقد كان يبحث عن وجه أمه بين الحشود. لترى بعينيها نتيجة رأيها الأحمق ، و كان يود لو تتاح له الفرصة ليسر لها في أذنها أن الملك بوال... لم يشعر بالخوف إلا بعد أن واجه المشنقة . كان يخشى الألم، أما الموت بحد ذاته و أمام الجمهور فلم يكن له معنى آخر سوى أنه تجربة لا تتكرر. كان قد استدار حين صعد المنصة فأصبح الملك إلى يمينه و جمهور المتفرجين عن شماله و الشمس قبالته فصرف نظره عن الحبل و عاد يجول بنظره بين الوجوه عله يعثر على وجه يعرفه. أما خوفه في مقامه ذاك، حتى حين أحاطت الأنشوطة برقبته، فكان ممزوجا بإحساس عميق و غريب بالفخر . لم يكن في حياته ما يستحق الذكر، فبدا وكأنه غارق في اللحظة مستمتع بها و كأن المنصة أعدت له ليتفرج على الجموع... ضحكة مغناج جعلته يلتفت يمينا فوقعت عينه على الملك، كانت وجنتاه قد عادتا حمراوين . رفع بصره إلى الشرفة و تأمل الأميرة .. يا لها من أنثى! شفتاها و جيدها إلى إنا أعطيناك النهدين : عسل على زبدة على سمن .. سال ريقه في حلقه فخفض رأسه لينظر إلى عضوه الذي تحرك بين فخذيه، و ... عند ذلك سحبت الأرض من تحت قدميه .
حدثت القصة في زمن قديم ، و لكن الناس ما زالوا يذكرونها و يزيدون فيها أو ينقصون. قالوا إن ضريحه معروف في مكناس أو مراكش و منهم من قال في بغداد .. تتبرك به العانس، و العاقر إذا زارته تحمل من يومها . و قالوا أنه أطلق ضحكة مدوية قبل أن يتدلى جسده في الهواء ، و أن قضيبه كان منتصبا في الكفن مثل عمود الخيمة، و أنه تكلم في النعش و قال لهم : من له علي دين فليمسك بهذا... قالوا أنه قام من قبره في اليوم الثالي أو الذي يليه و عاد إلى الجامع و فعل في الفقيه. و منهم من عكس الأحداث و قال إنما قهقه ضاحكا حين كانت جثته في الهواء و أنه بقي معلقا ثلاثة ليال و أنه في كل ليلة قبل الفجر كان يطلق ضحكته التي أقلقت الملك فأمر بجثته لتدفن بعيدا.
الراعي و الملك
-
ابو مهدي
- عضو VIP
- مشاركات: 663
- اشترك في: الأربعاء 15 سبتمبر 2021 6:06 pm
- الدولة: الجزائر
- قد شكر: 711 مرات
- تم شكره: 509 مرات
Re: الراعي و الملك
جميل جدا ان يخرج الاتسان ولو بعض الوقت عن روتين الالكترونيات اشكرك على الفكرة الاخ elkhayati
-
basim
- عضو VIP
- مشاركات: 793
- اشترك في: الثلاثاء 23 فبراير 2021 12:43 pm
- الدولة: IRAQ
- قد شكر: 556 مرات
- تم شكره: 313 مرات
Re: الراعي و الملك
السلام عليكم
قصة جميلة اخ عبد اللطيف
في العراق وفي مدينة الموصل تحديدا يوجد هناك مكان تتبرك به النساء وخاصة الغير متزوجات لغرض الزواج
قد يكون هو الراعي
قصة جميلة اخ عبد اللطيف
في العراق وفي مدينة الموصل تحديدا يوجد هناك مكان تتبرك به النساء وخاصة الغير متزوجات لغرض الزواج
قد يكون هو الراعي